اللغة العربية – تاريخ وتحدّيات

اللغة العربية: تاريخ وتحديات

بقلم/ د. عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان

تُقدَّم العربية في الدرس المعاصر في صورتين تبدوان متقابلتين: لغة عريقة ارتبط تاريخها بالقرآن الكريم وبنقل المعارف، ولغة تُنسب إليها (تحديات) في التعليم والتقنية، والصورتان لا تتعارضان، لأن الثانية تفترض ما قررته الأولى، وهو أن وجود العربية قائم، وأن السؤال ينصرف إلى مدى أدائها وظائفها، ويعالج هذا المقال المسألة في أربعة محاور هي: سياق العربية التاريخي وانتماؤها إلى الأسرة السامية، ومناهج الدرس اللغوي فيها، ثم التحديات المعاصرة وما اقترحته الدراسات لمواجهتها.

أولًا: العربية في سياقها التاريخي

يعود الحديث عن جذور العربية إلى القرن الرابع الميلادي، بحسب ما كُشف من نقوش مكتوبة بحروف عربية، غير أن قضية اللغة الإنسانية أسبق من العربية، فقد ناقشها الفلاسفة القدماء، ومن أشهر ذلك حوار أفلاطون (كراتيلوس)، ونظر اللغويون العرب في القضية نفسها، ومنهم ابن جني الذي عقد في (الخصائص) بابًا بعنوان (القول على أصل اللغة: أإلهام هي أم اصطلاح؟)، ويظهر من ذلك أن العناية بأصل اللغة لم تكن بعيدة عن اهتمام اللغويين العرب، وبعيدًا عن تشعب هذه الآراء، تبقى العربية رافدًا مهمًا من روافد الحضارة الإنسانية، لسببين يترتب عليهما وزنها التاريخي: سعة انتشارها وحيويتها، وارتباطها بالقرآن الكريم ونقلها المعارف والعلوم عبر القرون.

ثانيًا: العربية واللغات السامية

صنّف العلماء اللغات في أسر لغوية تجمع بين أفرادها أصول تاريخية وخصائص صوتية وصرفية ونحوية مشتركة، بغرض تتبع العلاقات بينها وبيان مراحل تطورها وانتشارها، وتنتمي العربية إلى الأسرة السامية مع الآرامية والعبرية وغيرهما. ويجمع هذه اللغات نظام الجذور الصرفية، واتخاذ الاشتقاق وسيلة رئيسة لتوليد الألفاظ وتوسيع الدلالات، ومع هذا الاشتراك تنفرد العربية بسمات احتفظت بها، منها تشديد نون المثنى إذا كان اسمًا موصولًا أو اسم إشارة، وقد نقل الواسطي عن ابن هشام قوله: (ويجوز تشديد نونهما رفعا بالاتفاق وجرّا ونصبا خلافا للبصريين، ونسب هذا التشديد إلى تميم وقيس وأسد، أما التخفيف فنسب إلى قريش)، ويُذكر معها إعراب المثنى والملحق به بالألف رفعًا ونصبًا وجرًّا، وصرف ما لا ينصرف (الواسطي، 2004، 1/68)، ويدل ذلك على أن العربية حفظت سمات قديمة لا تظهر في سائر اللغات السامية، على ما يذكره الواسطي.

ثالثًا: مناهج الدرس اللغوي

ارتبطت دراسة العربية عند نشأتها بدراسة القرآن الكريم والحديث النبوي، علاجًا لظاهرة خُشي منها على اللغة وعلى القرآن، هي اللحن (حسان، 2006، ص 12)، وبرزت إلى جانبها دراسة غريب الحديث الشريف، ثم التدوين العلمي (أبو سكين، 1431هـ، ص 18)، فاتسعت الدراسات وتعددت أصنافها، ويمكن القول إن المنهج في هذه المرحلة قام على أربعة أسس، تتدرج من جمع المادة إلى تفسيرها:
السماع والرواية، وهو أساس المادة، إذ ارتحل اللغويون إلى بوادي العرب ليأخذوا اللغة ممن لم تخالط ألسنتَهم ألسنةُ غير العرب، فصار السماع مصدرها الأول في الجمع والتوثيق، ويفسّر ذلك قول اللغويين، حين يوثقون ما استنتجوه، إنه مما ورد عن العرب (ابن جني، 1431هـ، 3/114).
الاستقراء الوصفي، وهو أساس الاستنباط، فقد تتبع اللغويون الشواهد واستقرؤوا أمثلتها ثم استنبطوا منها القواعد، فقامت قواعد العربية على وصف الاستعمال وتحليل ظواهره قبل أن تُصاغ أحكامًا كلية، فالنحاة لم يبدؤوا بالقاعدة ثم يلتمسوا لها الأمثلة، بل بدؤوا بالشواهد ثم استخرجوا منها القواعد (بركات، 2017، ص 116).
القياس، وهو أساس التوسع، يقول ابن الأنباري: (أدلة النحو ثلاثة: نقلٌ وقياس واستصحاب حال)، وتُنسب إلى ابن جني عبارة: (أدلة النحو ثلاثة: السماع، والإجماع، والقياس) (السيوطي، 1989، ص 26)، ويقوم القياس على حمل غير المنقول عن العرب على المنقول عنهم، ولهذا استقر عند اللغويين أن أكثر العربية قياس، يقول السيوطي: (اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق؛ لأن النحو كله قياس) (السيوطي، 1989، ص 179).
التعليل، وهو أساس التفسير، برز التعليل مرحلة متقدمة لازمة لتفسير الظواهر، فهو يبحث عن الأسباب التي دعت العرب إلى استعمال صورة لغوية دون أخرى، أو إلى إقرار حكم نحوي معين، قصدَ الكشف عن الحكمة الكامنة وراء الظاهرة، ويُعدّ الزجاجي من أوائل من أفردوا العلل النحوية بالتأليف في (الإيضاح في علل النحو). ولم يقف النحاة عند الوصف والتقعيد، بل ربطوا الجزئيات بأصول كلية تكشف انتظام اللغة واتساقها (حسان، 2000، ص 161 وما بعدها).

والجامع بين هذه الأسس أن كلًّا منها يبني على ما قبله: فالسماع يجمع، والاستقراء يصف ويستنبط، والقياس يمدّ الحكم إلى غير المسموع، والتعليل يفسّر الحكم ويصله بأصل كلي، وترتب على اتساع الدرس اللغوي وتراكم مادته أن تمايزت علومه واستقلت تدريجيًا، فقد كانت قضايا الأصوات والصرف والنحو والدلالة والبلاغة متداخلة في المؤلفات الأولى، ثم استقل كل منها بموضوعاته ومصطلحاته مع اتساع التأليف وازدياد الحاجة إلى التخصص، ويشير شوقي ضيف إلى أن الدراسات اللغوية تطورت من معالجة عامة إلى علوم لكل منها موضوعه ومنهجه (ضيف، المدارس النحوية، ص 13–20).

رابعًا: التحديات المعاصرة

لا تنطلق إضافة (التحديات) إلى العربية من القول بتهديد وجودها، فقد ارتبط بقاؤها بالقرآن الكريم، وقال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، فلماذا يُضاف المصطلح إذن؟ لأن حيوية اللغة لا تقاس ببقائها في الاستعمال وحده، بل بقدرتها على استيعاب مستجدات حياة أهلها ومجاراة تطورهم الاجتماعي، واللغة تصاحب الإنسان في أحواله وبيئاته كلها، فإن عجزت لغته عن التعبير عن حاجة من حاجاته لجأ إلى لغة أخرى تؤدي ذلك الغرض، ويتسق هذا مع تعريف ابن جني اللغة بأنها (أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم).

والمقصود بالتحديات هنا جملة العوامل والظروف الداخلية والخارجية التي تؤثر في مكانة العربية أو تحد من قدرتها على أداء وظائفها العلمية والثقافية والتواصلية، وتصنَّف بحسب مجالها إلى تعليمية وثقافية وتقنية واجتماعية، وقد تناولتها الدراسات المعاصرة من زوايا متعددة، فركّز بعضها على التعليمية، واهتم بعضها بالتقنية والرقمية، أو بالثقافية الناتجة عن العولمة. ويبرز من هذه التحديات اثنان:

التحدي

مظهره

المسلك المقترح

ضعف حضور العربية في التعليم العالي

تدريس كثير من التخصصات العلمية بالإنجليزية

دعم التعريب، وتطوير المناهج، وزيادة تدريس العلوم بالعربية،
وقد وُجدت في ذلك تجارب في بعض البلاد العربية

ضعف البرمجيات اللغوية والمعالجة الحاسوبية

محدودية الأدوات القادرة على تحليل العربية ومعالجتها آليًا
مقارنة ببعض اللغات، وينعكس ذلك على الترجمة الآلية والتدقيق اللغوي والبحث
الإلكتروني وتطبيقات الذكاء الاصطناعي

تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والمعالجة الحاسوبية الخاصة
بالعربية

ومن الدراسات التي تناولت هذه التحديات:
عبدالسلام المسدي، (اللغة العربية والتحديات الجديدة)، 2005.
بشير داود سليمان، (اللغة العربية والتحديات المعاصرة)، 2010.
سلوى إدريس بابكر علي، (سيادة اللغة العربية على اللغة الإنجليزية وتحديات العصر الحديث)، 2018.
الشارف لطروش، (اللغة العربية والتحديات المعاصرة)، 2019.
نايلة يونس، (اللغة العربية والتحديات الراهنة)، 2020.
زهراء علي دخيل، (التحديات المعاصرة للغة العربية)، 2021.
عباس حيروقة، (اللغة العربية: ميزات، واقع، تحديات)، 2022.

وقد انتهت هذه الدراسات إلى مقترحات يمكن جمعها في ثلاثة محاور: في التعليم والبحث، تطوير تعليم العربية، ودعم التعريب والترجمة، وتعزيز البحث العلمي بها، وفي التقنية والمحتوى، توسيع المحتوى الرقمي العربي، وتطوير البرمجيات والمعالجة الحاسوبية، وفي المؤسسات والسياسات، تفعيل دور المجامع اللغوية، وبناء سياسات لغوية وطنية واضحة، وربط العربية بمتطلبات المعرفة والتقنية الحديثة.

خاتمة
العربية لغة ارتبط تاريخها بالقرآن الكريم وبنقل المعارف، وانتماؤها إلى الأسرة السامية يجمعها بسائر لغاتها في النظام الجذري والاشتقاق، وتنفرد عنها بسمات قديمة احتفظت بها.
قام الدرس اللغوي العربي على أسس متدرجة، هي السماع والاستقراء والقياس والتعليل، ثم استقلت علومه تدريجيًّا، وهذا ما أتاح له التخصص والاتساع.
لا تمس التحديات المعاصرة جوهر اللغة ولا قدرتها على الاستمرار، وإنما ترتبط بمدى توظيفها في حياة المجتمع ومؤسساته العلمية والثقافية، فاللغة ظاهرة اجتماعية تزدهر بالاستعمال وتتراجع بالإهمال، وكلما اتسعت مجالات حضورها ازدادت قدرتها على أداء وظائفها.

ويترتب على ذلك أن المحافظة على العربية لا تتحقق بالدعوة إلى التمسك بها وحدها، بل تحتاج إلى جهود علمية ومؤسسية متواصلة تعزز حضورها في التعليم والبحث العلمي والبيئة الرقمية، وتربطها بحاجات الإنسان المعاصر ومتطلبات التنمية والمعرفة. والعربية بما تملكه من رصيد حضاري، وما تتسم به من مرونة وقدرة على التجدد، ما تزال قادرة على مواصلة عطائها.


اترك تعليقاً

راسلنا